

شعار نادي ليستر سيتي
لا صوت يعلو فوق صوت الأحاديث عن تتويج نادي ليستر سيتي بطلًا للدوري الانجليزي لكرة القدم، فمنذُ يوم أمس يتحدث الجميع عن هذا الموضوع، سواء المهتمين بكرة القدم أو حتى الغير مهتمين، وتطورت المناقشات إلى أن وصلَت لمقالات حماسية عن الأمل، وعن إنه لا يوجد مستحيل في هذه الدُنيا، فكما فاز ليستر بالدوري، يستطيع أي أحد فعل أي شيء، وهو ما استفزني بشدة!
اكتفى أغلب الناس بالحديث عن كيف كان (ليستر) مهددًا بالهبوط العام الماضي، وكيف كان نجمه (جيمي فاردي) يغَرَّد على تويتر باحثًا عن أي سرير بثمن زهيد حتى يستطيع المبيت في مدينة ليستر، وامتدت الأحاديث لتتناول أن هذه أول بطولة دوري لمدرب الفريق، العجوز الايطالي كلاوديو رانييري، صاحب ال٦٤ عامًا، والذي كان بصدد الاعتزال قبل بداية الموسم الحالي، وغيرها من حكاوى (الفانتازيا)، والتي لم تخلو أيضًا من المبالغات والقصص المُفبركة.
ومن الممكن لأي أحد أن يرى أن كل ما يُكتب هذا جميل ورائع، وأن كل هذه الكتابات مُفعمة بالأمل والطاقة الإيجابية، إلا إنني وعلى النقيض تمامًا، أرى أن ما يحدث هذا شديد الخطورة، بل هو آفة مجتمعنا، فنشر الأمل الزائف من الممكن أن يكون أسوأ على المُجتمع من نشر الإحباط، وأنا أرى أن فوز ليستر بالدوري وطريقة تناولنا لهذا الإنجاز التاريخي لا تبعث إلا بأمل زائف!
أمل زائف لأننا لم نأخذ بالأسباب، وأوحينا لأنفسنا أن المستحيل من الممكن أن يتحقق، ولكن بمعجزة، وليس بالعمل والكفاح، ويتضح هذا في اعتقاد الجميع بأن هذا موسم استثنائي، وبأنه من المستحيل أن يُكرر نادي ليستر سيتي (أو أي نادي فقير أخر) هذا الإنجاز في الموسم القادم، وبهذا تناسى الجميع الجهد والعرق الذي بذلته منظومة نادي ليستر سيتي للنجاح على مدار عام كامل، بل وتناسوا أهم أسباب هذه المعجزة الكروية – من وجهة نظري -، وهو التواضع.
منذ بداية الموسم الكروي، عكف المدرب (رانييري) على إطلاق تصريحات غريبة، حتى أن الجميع كانوا يسخرون منه، فأخذ رانييري طوال النصف الأول من الموسم يُصرح في وسائل الإعلام إنه سيدعو لاعبي فريقه لأكل البيتزا بعد كل مباراة ينجحون فيها في الحفاظ على نظافة شباكهم فقط، وليس حتى عندما يسجلون الأهداف، تصريح يدل على أن هذا الفريق غير جاد ويأخذ الأمور ببساطة شديدة، مما رفع الضغط عن لاعبي ليستر سيتي، وجعل المنافسين لا يخشون صحوة ليستر، فالجميع أصبح على يقين بأنهم سيتعثرون حتمًا.
في منتصف يناير، فاز ليستر على غريمه توتنهام ليتصدر جدول المسابقة ب٤٣ نقطة، وقتها قام المدرب بإدلاء تصريح:
“ضمان البقاء بالدوري يكون ب٤٠ نقطة أو أكثر، الآن حققنا هدفنا وضمننا البقاء”
أخذ رانييري يتحدث ويبارك لفريقه على ضمان البقاء، وهو الذي يتصدر جدول المسابقة الكروية الأعرق في العالم!
في أواخر مارس بدأ رانييري في الحديث عن أمانيه بالتأهل للدوري الأوروبي، أي احتلال أحد المراكز من الأول للسادس بجدول المسابقة، وصرّح نصًا:
“الآن سيكون من الرائع إذا نجحنا في التأهل للدوري الأوروبي”
كل هذا ومازال ليستر سيتي متصدرًا للمسابقة.
وفي منتصف إبريل، استمر رانييري في عدم وضع بطولة الدوري في حسبانه، بعد أن ضمن فريقه التأهل لبطولة الدوري الأوروبي، وقتها كان ليستر سيتي يتصدر الدوري الانجليزي الممتاز بفارق 7 نقاط كاملة، قبل ستة أسابيع من نهايته.
وقال رانييري في المؤتمر الصحفي:
“الآخرون يمكنهم الفوز بجميع مبارياتهم، أعتقد أننا ضمنا التأهل للدوري الأوروبي الآن والهدف المقبل هو دوري الأبطال”
ويذكر أن التأهل لدوري الأبطال يُمنح لأصحاب المراكز من الأول حتى الرابع.
وأخيرًا وبنهاية شهر إبريل، بدأ رانييري يُصرّح عن رغبته في الفوز بالدوري الانجليزي الممتاز لكرة القدم، حيث قال:
“نحن في دوري الأبطال، هذا أمر رائع.
الجميع أحسن صنعًا سواء ملاك النادي أو اللاعبين، الجماهير وكذلك الجهاز الفني، كل من شارك في هذا الإنجاز.
الآن نحن نسعى للفوز مباشرة بالدوري، هذا ما يتبقى لنا”
كان رانييري متواضعًا، حتى بعد الفوز باللقب، لم يُبالغ في فرحته أو يُطلق على نفسه لقب “الأفضل في العالم”، وهو الرجل الذي “صنع من الفسيخ شربات”، كما نقول بالعامية، وكان من حقه أن يقول هذا، بدون أن يلومه أو ينتقده أحد، ولكنه آثر التواضع، ملقنًا درسًا قاسيًا لكل من هم حولنا في الحياة، هؤلاء الذين بالكاد يحققون انجازًا ضئيلًا، ثم يملأون الدنيا ضجيجًا وصراخًا وغرورًا.
وهكذا، فاز نادي ليستر سيتي بالدوري الانجليزي، بعد الكثير من الجهد والعرق والتعب والتواضع، فإذا كنت مستعدًا لبذل العرق والجهد، وللتواضع إذا بدأت طريقك بخطوات ناجحة مثلما فعل المدرب رانييري، حينها فقط يُمكنك أن تشعُر بالأمل، وأن تضع هذا الإنجاز أمام أعينك دائمًا كحافز، أما إن كنت ستستمر في نفس نمط حياتك الرتيب، فإن شعورك بالأمل من تجربة ليستر سيتي سيكون نوع من أنواع الحماقة، فالمعجزات لا تحدث إلا مع من يستحقها.





